باركيول/ محمد الأمين ولد بجه….. رجل كتبته المروءة قبل أن تكتبه الأقلام
موقع العبقري انفو يؤرشف الشخصيات البارزة في ولاية لعصابه

محمد الأمين ولد بجه.. رجل كتبته المروءة قبل أن تكتبه الأقلام
لستُ من الذين يريقون المداد على كل عابر، ولا ممن يخلعون ثياب الثناء على كل من هب ودب؛ فالكلمة عندي أمانة، والمدح شهادة، والشهادة لا تبذل إلا لمن قام عليها دليل من خلق، أو أثر من فضل، أو سيرة يشهد لها الناس قبل الأقلام.
لكن أهل الفضل جديرون بأن يذكروا، وأهل المروءات حقيقون بأن تُحفظ آثارهم، لا تزلفا ولا مجاملة، ولكن وفاء للحق، وإنصافًا للخير، وصونا للذاكرة من أن تطوي أسماء تستحق أن تبقى حاضرة في وجدان الأجيال ودفاتر التاريخ.
ومن هؤلاء، فيما علمت ورأيت، محمد الأمين ولد بجه؛ ذلك الشاب الذي خرج من قرية أودي النص خروج الغصن الطيب من الشجرة الطيبة، حاملا معه عبق بيت كريم، ونفس أسرة عرفت بالعلم والأدب، وشرف خدمة كتاب الله.
نشأ محمد الأمين في أسرة جعلت القرآن تاجا على أيامها، والمحظرة بابا من أبواب نفعها، والعلم ميراثا لا يحبس في الصدور، بل يبذل للناس بذل الماء للظمآن. أسرة لا ترفع صوتها بفضلها، لأن فعلها أبلغ من صوتها، ولا تتزين بالعلم ادعاءً، لأن أثرها في التعليم شاهدٌ يغني عن كثرة البيان.
عرفت هذا الشاب منذ سنوات، فما رأيت منه إلا سمتا حسنا، وأدبا راسخا، وخلقا يألفه القلب قبل أن يصفه اللسان. رجل يضع الكياسة موضعها، والبشاشة في وجه من يلقاه، والاحترام بين يدي حديثه، حتى لكأن التربية التي حملها من بيته تسير معه حيث سار.
ولم يكن محمد الأمين ممن يجعلون الخير حديث مجالس، بل كان ممن يجعلونه عملًا وسعيًا. لا يتأخر عن معروف يستطيع أداءه، ولا يضيق صدره بحاجة فقير، ولا ينصرف عن هم من هموم محيطه. رجل يرى مشاكل قومه بعين المسؤولية، ويحمل هم الناس بقلب لا يعرف الاطمئنان إلا حين يكون سببًا في نفع، أو عون، أو جبر خاطر.
وقد جمع من الخصال ما قلّ أن يجتمع في زمن عزت فيه المروءات: أدب بلا تصنع، وكياسة بلا تكلف، وحب للخير بلا ضجيج، وتواضع لا يطلب عليه ثناء، وبذلٌ لا ينتظر عليه جزاء. وهذه الخلال، إذا اجتمعت في رجل، كانت دليلا على معدن أصيل، وبيتٍ كريم، ومنبت طاهر.
ولما زرت أسرته في قرية أودي النص، لم أعد أتعجب من هذا الطيب الذي رأيته فيه؛ فقد وجدت الأصل أطيب من الفرع، والمنبع أصفى من الساقية، والبيت أكرم من أن يختزل في كلمات. وجدت أبا كريما، وأما فاضلة، وأسرة وادعة بشوشة، تسخر علمها ووقتها وجهدها لنفع الناس وتعليم كتاب الله.
وهل بعد تعليم القرآن من عملٍ يعلو؟ وهل بعد أن تجعل الأسرة من بيتها محضنًا للعلم ومن محظرتها منارةً للتربية يبقى مجال للسؤال عن فضلها؟ إن أسرة أهل بجه أسرة كريمة المحتد، طيبة الذكر، متواضعة السمت، جعلت من القرآن عنوانا، ومن العلم رسالة، ومن نفع الناس سبيلا.
ومن تلك الدوحة خرج محمد الأمين ولد بجه؛ فكان شبلا من أسد، وغصنا من شجرة، وأثرا من بيت تشهد له السيرة قبل العبارة. كان نعم الرجل أدبًا، ونعم الشاب خلقًا، ونعم الساعي في الخير بين أهله ومحيطه.
وما كتبت هذا تزويقا للقول، ولا طلبا لمجاملة، ولا إغراقا في الثناء؛ وإنما كتبته لأن للفضل حقا، ولأهل الخير ذكرا، وللأجيال ذاكرة ينبغي أن تعرف من خدموا الناس بصمت، ومن حملوا العلم بأدب، ومن جعلوا المعروف طريقا لا مناسبة عابرة.
فما كتبت إلا ما علمت، وما شهدت إلا بما رأيت، وما كنت للغيب عالما.
كتبه : ابن بلدية الغبرة: ازيدبيه ولد احديد




